حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )
592
تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان
الآية إلى قوله أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ [ البقرة : 243 ] جريا على سننه المرضى من خلط بيان التوحيد وذكر النصيحة والوعظ ببيان الأحكام ، ليكون كل منهما مؤكدا للآخر . الحكم الأول : بيان مصرف الإنفاق يَسْئَلُونَكَ ما ذا يُنْفِقُونَ عن ابن عباس : نزلت الآية في رجل أتى النبي صلى اللّه عليه وسلم فقال : إن لي دينارا فقال : أنفقه على نفسك . فقال : إن لي دينارين . فقال : أنفقهما على أهلك . فقال : إن لي ثلاثة فقال : أنفقها على خادمك . فقال : إن لي أربعة قال : أنفقها على والديك . قال : إن لي خمسة قال : أنفقها على قرابتك . قال : إن لي ستة . قال : أنفقها في سبيل اللّه وهو أخسها أي أقلها ثوابا . وعنه في رواية أبي صالح أنها نزلت في عمرو بن الجموح وهو الذي قتل يوم أحد وكان شيخا كبيرا هرما وعنده ملك عظيم فقال : ما ذا ننفق من أموالنا وأين نضعها ؟ أما بحث « ما ذا » فقد تقدم في قوله ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا [ المدثر : 31 ] وأما أن القوم سألوا عما ينفقون لا عمن تصرف النفقة إليهم فكيف طابق قوله في الجواب قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الآية . فالوجه فيه أنه حصل في الآية ما يكون جوابا عن السؤال ، وضم إليه زيادة بها يكمل المقصود . وذلك أن قوله ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ تضمن بيان ما ينفقونه وهو كل خير ، وبنى الكلام على ما هو أهم وهو بيان المصرف لأن النفقة لا يعتد بها إلا إذا صرفت إلى جهة الاستحقاق . وقال القفال : السؤال وإن كان واردا بلفظ « ما » إلا أن المقصود هو الكيفية . فمن المعلوم لهم أن الذي أمروا بإنفاقه مال يخرج قربة إلى اللّه تعالى ، وحينئذ يكون الجواب مطابقا للسؤال كما طابق قوله إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ [ البقرة : 71 ] سؤالهم عن البقرة ما هي ، حيث كان من المعلوم أن البقرة بهيمة شأنها كذا وكذا ، فتوجه الطلب إلى تعيين الصفة لا الماهية . وقيل : إنهم لما سألوا هذا السؤال أجيبوا بأن السؤال فاسد ، أنفق أي شيء كان ولكن بشرط كونه مالا حلالا ومصروفا إلى مصبه ، كما لو سأل شخص صحيح المزاج طبيبا حاذقا أي طعام آكل ؟ والطبيب يعلم أنه لا يضره أكل الطعام أي طعام كان ، فيقول له : كل في اليوم مرتين أي كل ما شئت . لكن بهذا الشرط ، فكذا هاهنا المعنى لينفق أي شيء أراد ، لكن بشرط وهو أن يراعي الترتيب في الإنفاق فيقدم الوالدين لأنهما كالسبب لوجوده وقد ربياه صغيرا ، ثم الأقربين لأن الإنسان لا يمكنه أن يقوم بمصالح جميع الفقراء ، الترجيح لا بدّ له من مرحج والقرابة تصلح للترجيح لأنه أعرف بحاله . والاطلاع على غنى الغني مما يحمل المرء على الإنفاق . وأيضا لو لم يعطه قريبه احتاج إلى الرجوع إلى غيره وذلك عار وشنار . وأيضا قريب المرء كجزء منه والإنفاق على النفس أولى من الإنفاق على الغير ، ثم اليتامى لعدم قدرتهم على الاكتساب